السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
394
مختصر الميزان في تفسير القرآن
كانوا ليؤمنوا ولم يؤثر شيء من ذلك في استجابتهم للايمان إلا أن يشاء اللّه إيمانهم . فلا يتم لهم الإيمان بشيء من الأسباب والعلل إلا بمشية اللّه فإن النظام الكوني على عرضه العريض وإن كان يجري على طبق حكم السببية وقانون العلية العام غير أن العلل والأسباب مفتقرة في أنفسها متدلية إلى ربها غير مستقلة في شيء من شؤونها ومقتضياتها فلا يظهر لها حكم الا بمشية اللّه ولا يحيا لهم رسم الا بإذنه . غير أن المشركين أكثرهم - ولعلهم غير العلماء الباغين منهم - يجهلون مقام ربهم ويتعلقون بالأسباب على أنها مستقلة في نفسها مستغنية عن ربها فيظنون أن لو أتاهم سبب الايمان - وهو الآية المقترحة - آمنوا واتبعوا الحق وقد اختلط عليهم الامر بجهلهم فأخذوا هذه الأسباب الناقصة المفتقرة إلى مشيّة اللّه أسبابا مستقلة تامة مستغنية عنه . قوله تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ إلى آخر الآية ؛ الشياطين جمع شيطان وهو في اللغة الشرير غلب استعماله في إبليس الذي يصفه القرآن وذريته ، والجن من الجن بالفتح وهو الاستتار ، وهو في عرف القرآن نوع من الموجودات ذوات الشعور والإرادة مستور عن حواسنا بحسب طبعها وهم غير الملائكة . يذكر القرآن أن إبليس الشيطان من سنخهم . والوحي هو القول الخفي بإشارة ونحوها ، والزخرف الزينة المزوّقة أو الشيء المزوق فزخرف القول الكلام المزوق المموه الذي يشبه الحق وليس به ، وغرورا مفعول مطلق لفعل مقدر من جنسه أو مفعول له . والمعنى : ومثل ما جعلنا لك جعلنا لكل نبي عدوا هم شياطين الإنس والجن يشير بعضهم إلى بعض - وكأن المراد وحي شياطين الجن بالوسوسة والنزغة إلى شياطين الإنس ووحي بعض شياطين الإنس إلى بعض آخر منهم بإسرار المكر والتسويل - بأقوال مزوّقة وكلمات مموّهة يغرونهم بذلك غرورا أو لعرورهم وإضلالهم بذلك . وقوله : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ يشير بذلك إلى أن حكم المشيّة عامّ جار نافذ